السيد علي الفاني الأصفهاني
184
آراء حول القرآن
ومن ذلك أن اللّه تبارك وتعالى لما بعث محمدا ( ص ) أمره في بدو أمره أن يدعو بالدعوة فقط وأنزل عليه : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ، وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً ، وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا « 1 » ، فبعثه اللّه تعالى بالدعوة فقط وأمره أن لا يؤذيهم فلما أرادوه بما هموا به من تبييت أمره اللّه تعالى بالهجرة وفرض عليه القتال فقال سبحانه : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ « 2 » ، فلما أمر الناس بالحرب جزعوا وخافوا فأنزل اللّه تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ « 3 » ، إلى قوله سبحانه : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ « 4 » فنسخت آية القتال آية الكف فلما كان يوم بدر وعرف اللّه تعالى حرج المسلمين أنزل اللّه تعالى على نبيّه : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ « 5 » ، فلما قوي الإسلام وكثر المسلمون أنزل اللّه : فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ « 6 » ، فنسخت هذه الآية التي أذن لهم فيها أن يحتجوا ثم أنزل سبحانه في آخر السورة : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ « 7 » إلى آخر الآية . ومن ذلك أن اللّه تعالى فرض القتال على
--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية : 45 - 48 . ( 2 ) سورة الحج ، الآية : 39 . ( 3 ) سورة النساء ، الآية : 77 . ( 4 ) سورة النساء ، الآية : 78 . ( 5 ) سورة الأنفال ، الآية : 61 . ( 6 ) سورة محمد ، الآية : 35 . ( 7 ) سورة التوبة ، الآية : 5 .